من الكتب القليلة التي جعلتني لا أتمنى إنهائه ,, فقد كان ينقلني لحالة نشوى فكرية أجدها مع القليلين ,, وأستمتع بها دوما في كتابات دكتور مصطفى محمود .. لن أطيل عليك ,, دعنا نتحدث عن أفكار الكتاب ,, ولا تقلق ,, لن أتعرض لحرق للتفاصيل ! وأكيد إنت بتفكر الأن .. حرق؟! هي رواية ؟! وأقولك إنها طبعا مش رواية .. لكن طريقة شرح الفكرة ووجهة نظر الكاتب في بعض الأيات .. والأستشهاد ببعض الأحداث .. ومحاولة التأمل الراقية التي حاول بها تفسير الأيات حقيقي تستحق أن تستمع بها في قراءة الكتاب وليس من عرضي المتواضع في التدوينة هذه .. كل ما في الأمر أني أحاول أن أعرض ما لفت إنتباهي وربما أنجح في تحفيزك لقرائته وهو يستحق .. والدكتور مصطفى محمود له قدرة مختلفة في تناول الأفكار والأيات ,, فبعلمه في بعض العلوم الأخرى ونظرته المتأملة جدا للمعاني والكلمات المختفية بين السطور قليلين جدا من تجتمع فيهم ,, فقد كنت حقا أتمنى قراءة تفسير القرآن كاملا من الكاتب عباس محمود العقاد لكن من سوء حظي وحظ كل من يقرأ سطرا عربيا في كتاب .. أن العقاد توفى قبل أنهاءه ,, ولو إني تمنيت أن أقرأ ما كتبه منه حتى الأن !
ويأتيك شعور أيضا في قرائتك أن الدكتور مصطفى رغم تمكنه من زمام الكلمات لكن في نفس الوقت تخونه عظمة القرآن في التعبير فلا تسعه الكلمات ليصف حالة نفسية تضعنا فيها بعض الأيات بعد فهمها وهو ما يزيد الكتاب والكاتب جمالا ,, ولا يزيد على القرآن ومحكم تنزيله عظمة ورقي فهو في غنى عن ذلك !

من أول التفسيرات التي ناقشها هي تفسير كيف أن القرآن أصبح لا تجد أذاننا منه السحر والذهول من الحقائق والبلاغة كما كان يحدث ممن سبقونا ,, طبعا كلنا نشعر بذلك منذ كنا صغارا ويعلموا لنا القرآن بالحفظ فقط بدون فهم .. هذا بالإضافة للغتنا العامية التي أبعدتنا عن أصول لغتنا مما أجهلنا بمعاني كثيرة من الممكن أن نفهمها .. ولكن رغم هذا إن حاولت ودققت وفحصت وكما يقول الكاتب نصا “” فإن لحظة صفاء ينزع الواحد فيها نفسه ,, ويرتد فيها طفلا بكرا وترتد له نفسه على شفافيتها كفيلة بأن تعيد إليه ذلك الطعم الفريد “”.

وفي مسألة الإختيار والإجبار التي يناقشها الناس منذ قرون .. يقول الدكتور أنك مخير تماما في أفعالك ولك مطلق الحرية في أن تؤمن وأن تكفر ووجدت سؤالا في نفسي إذا لماذا لا يجعلنا الله كلنا مؤمنين موحدين وإنتهى الأمر ! لكن وجدت شرحه لكيفية إن هذا يعتبر نقضا لحريتنا فإن الحق إن ظهر كالشمس لن يستطيع غير مؤمن إختيار شىء أخر غير ذلك ! وذلك في حد ذاته منتهى الرحمة .. وأن القلب هو المكان الوحيد الذي لا يوجد لمخلوق كائن من كان سلطان عليه فهو قدس أقداس بالفعل وحرم محرم تقوم عليه الأسوار ولا يدخله حتم ولا جبر ولا إكراه ,, وما يحدث لنا من أنواع الإجبار في في عالم الواقع لا يمكن أن يدخل إلى داخل ضمائرنا فيمكنك أن تجبرني أن أرفع يدي وأن أهتف بإسمك ولكن لا يمكن أن تجبرني أن أحبك ..

ومن أكثر التفسيرات التي أدهشتني في حياتي حقا في قمة الإقناع العقلي والفلسفي وهي تناول الدكتور مصطفى لقضية الروح وما يترتب عليها من وجود حساب بعد الموت وحياة أخرى وقضايا أذلية أخرى .. وذلك ما ينكره بعض معتنقي المادية .. وتفسيره أننا حين ندرك الجمال والحق والعدل على سبيل المثال فنحن نقيس بمقاييسنا وعقلنا خارج حدود الحدث الذي نقيسه في حد ذاته .. وأننا إذا كنا في قطار أو سيارة على سبيل المثال أيضا لا يمكننا الشعور بحركتها لإننا أصبحنا جزئ منها فلا يمكن الشعور وقتها إلا إذا أبطأ السائق أو زاد من سرعته .. ومشهد أخر هو إن كنا نسير في قطاريين متوازيين بنفس السرعة وبنفس الإتجاه فسنظن أن القطارين لا يتحركان ! إذا فكيف إن كنا جسدا ماديا فقط .. ولا توجد روح بداخلنا فكيف لنا أن ندرك الزمن وتقدمنا بالعمر ومعظم أشكال حركتنا اليومية ؟ كيف لنا أن نشعر بذلك إذا لم تكن الروح من مادة أخرى راقية العظم وهي من الله سبحانه وتعالى الذي تجرد من معاني الزمان والمكان التي نشعرها بأدميتنا وأجسادنا ؟ فحتما هناك شيء موازي للجسد يشعر به ولكنه ليس من مادته وليس منه في شىء ! ويأتي يوم ويفارقه ويعود كل منهما إلى ما جاء إليه . حاولت قدر الإمكان أن أنقل لك الفكرة تلخيصا ولم أشأ إطلاقا أن أسلبك متعة الفهم من تفسيرات الكتاب في تلك النقطة .

وفي فكرة اخرى في تفسير أية ” إنك ميت وإنهم ميتون ” وهي حقيقة إننا لسنا كما نعتقد بوجودنا الفعلي ! فهي إشارة أننا مجرد أشباه موجودين .. كالظل مثلا فهو ليس موجود إلا بوجود شمس أو ضوء تعكس صورة جسم ما على الحائط فإن غربت الشمس لم يعد له وجود ,, ونحن موجودين بخلق الله وإمدادته لنا ليل نهار ,, فنحن موجودن لوجود الله وهو الوجود الحقيقي المنزه ,, إذا فهو الموجود بحق وغيره زائل إلا به ..

وأيضا في أية ,, “” مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون “” أترى كمية التحدي والقوة والثقة وذروة التعبير في تلك الكلمات ؟ خاصة بعد أن تعرف أن علميا خيوط العنكبوت هي أقوى من مثيلتها في مادة الصلب ثلاث مرات ! لذلك في قمة الدقة لم يقل خيوط العنكبوت وإنما قال بيت ,, وبيت العنكبوت هو أوهن البيوت بحق فالأنثى تأكل زوجها بعد عملية التلقيح (إن لم يكن ذكيا بما يكفي ويهرب قبل ذلك ! 🙂 ) والأبناء يأكلون بعضهم ,, وأي ضيف يأتي قرب البيت وتلتصق الخيوط به فيتحول إلى وجبة على غداء الأسرة المتبقية من المعركة السابقة ! بذلك فهو يفتقد معنى البيت والأمن والطمأنينة .. هل ترى الأن كلمة لو كانوا يعلمون ؟! هل تفهمها وتشعر بها الأن ؟ هل تشعر بـ ” لو كانوا يتفكرون ” .. هل تتنبه لـ ” لو كانوا يعقلون ” ..

طبيعي أن لا أستعرض كافة أفكار وتفسيرات الكتاب الذي يتأمل في 300 صفحة تقريبا وأكتفي بتلك الوجبة فاتحة الشهية ,, وأتركني وأتركك لحقيقة مدوية .. فما أصغر فهمنا وعقولنا وضعف نظرتنا للدنيا رغم إيماننا بالعكس ,, وتعالى الله سبحانه ..

صفحة الكتاب على موقع Good Reads ..

مدونة الديكاميرون .. عن الأدب و الكتابة والفلسفة والفنون

Advertisements