يد صغيرة .. عبث بأنفي .. يد صغيرة تعبث بفمي برقة .. فم صغير يقبلني على جبيني في حنان .. ما هذا الحلم الجميل ؟؟ يبدو أنه ليس حلما .. إنها حفيدتي نور .. ما اجملك أيها الملاك الصغير !!
إستيقظت من نومي على تلك الكلمات اليوم .. لأجد نور الصغيرة تحاول أن تخبرني أنها موجودة بتلك اللمسات الحانية .. يا إلهي الساعة الثانية عشر مساءا !! لم أستيقظ في ذلك الوقت منذ شهور .. ربما منذ خرجت على المعاش من وظيفتي الحكومية التي قضيت فيها سنين عمري وشبابي .. ذهبت لأسكب بعض الماء على وجهي ورأسي .. فيوم ممل أخر يحتاج أن أبدأه .. وضعت رأسي تحت مياه الصنبور الفاترة .. وأخذت تنساب من على رأسي .. ثم رفعت رأسي لأنظر لوجهي في المرآة .. منذ فترة لم أنظر لوجهي بتمعن .. كيف إنسابت تلك الشعيرات البيضاء كالنار في رأسي ؟؟ كيف ظهرت كل هذه التجاعيد على وجهي الذي كان يمتلىء حيوية وشبابا في الأمس القريب ؟! هل بدأت الهذيان ؟؟ إنها سنين !! التي أسميتها أمس قريب !!
ماذا يجري اليوم ؟؟ ما تلك الملاحظات والأفكار الغريبة ؟؟! هل هو مجرد حنين للماضي ؟؟ هل هو بسبب الملل الذي أعانيه تلك الأيام ؟؟ أعتقد أني بالفعل في حاجة للتغيير ..
صديقي أحمد !! كيف نسيته .. أعتقد أنه الوقت المناسب لمرور لإلقاء التحية وربما الحديث عن الماضي وذكرياته .. لما لا ؟؟ حسنا .. سأتناول طعام إفطاري سريعا وأذهب إليه .. ولكن ربما ينتابني الكسل بعدها ؟؟! حسنا فلأذهب الأن ..
بعد ذلك القرار الكبير الذي لم أتخذ قرار في حجمه منذ فترة خرجت من الحمام متجها إلى غرفتي لأجد نور حفيدتي نائمة مكاني .. يالكي من شقية أيتها الصغيرة !! قبلتها في يدها .. وغيرت ملابسي .. وكانت زوجتي تنظر إلي تلك النظرة بالإرتياب .. وأرى في عينيها سؤال .. ما لهذا العجوز المخبول يرتدي ملابسه بتلك السرعة .. هل هو موعد غرامي لذلك المتصابي ؟؟ حسنا سأطلب منه الطلاق فور عودته ..
لم أبالي بتلك النظرة التي إعتدت عليها مع السنين كلما هممت بالخروج لأي مكان حتى ولو كان زيارة لأحد أصدقائي هو يلفظ أنفاسه الأخيرة !!
شعور غريب يتملكني اليوم .. ربما هو شعور بالإنقباض ؟؟ ربما هو بالضيق من روتيني اليومي الأن !! ربما !! نظرت لسلالم المنزل التي بدأت تتأكل بفعل السنين .. وأنا أنزلها برفق .. وكم كانت تذكرني بأيام شبابي .. ولا أعلم أني تخيلت كل سلمة تنقص من عدد أنفاسي في الدنيا .. يا إلهي إنها متاعب الشيخوخة .. يجب ألا أبالي بتلك الأفكار التشائومية وأستمتع بيومي قدر الإمكان .. إنه شيء لم أفعله منذ زمن ..
ربما أكثر ما يعجبني في زيارة صديقي أحمد أنه يسكن بحي الدقي بالجيزة .. ذلك الحي الذي كان مجاورا لكليتي بجامعة القاهرة .. حيث قضيت أجمل أيام شبابي .. ربما هي فرصة لإستنشاق المزيد من هواء الماضي الذي يدغدغ أنفي منذ أن إستيقظت اليوم ..
على باب تلك العمارة الفخمة .. وتلك السيارات الفارهة التي تقف أمامها التي لطالما أعتقد أن أصحابها من اللصوص ولا يمكن لشريف أن يمتلك مثلها أبدا !! إستوقفني موظف الأمن الخاص بالعمارة ليسألني عند من أريد الصعود ؟؟ وكأنه عرف من نظراتي أني ليس من ذلك المستوى المعيشي الموجود بالجوار !! قلت له أني أريد المهندس أحمد جمال .. قال لي أنه مسافر ولن يعود قبل إسبوع !! كانت بكلماته من الإحباط ما يكفي لأن أتركه وأذهب بدون كلمة أخرى ..
خرجت إلى الشارع مرة أخرى ولا أدري هل أعود إلى المنزل مرة أخرى وأستأنف يومي بملل مرة أخرى .. ثم جائتني فكرة أن أذهب وأتمشى قليلا قرب الجامعة .. وأستمتع وحدي بتذكر ما قد كان ..
قاربت خطواتي بجانب ذلك السور الذي يكفي أن تشم الهواء بقربه وأنت مغمض العينين حتى تعلم أن ما ورائه هو نهر النيل .. كم كنت أعشق ذلك المكان وتلك الرائحة !! عبرت الطريق جهة اليمين لأرى قبة الجامعة تظهر من بعيد .. وأحسست أني أمسك كتابين بيدي وتلك المسطرة الطويلة التي كانت عنوانا لطلاب الهندسة المدنية .. وأني ذاهب لحضور أحد المحاضرات ..
وقفت قليلا لأتأمل الطلبة وهم في طريقهم إلى كلياتهم .. .. حين رأيت ذلك الشاب الصغير من طلاب الجامعة .. يلبس ذلك القميص والبنطلون الأسودين .. ويمسك بيده مسطرة طويلة مشابهة كثيرا لما كنت أتذكرها منذ قليل .. بالفعل هذا الصغير يشبهني كثيرا وانا في تلك الأيام !! حتى في القميص والبنطلون المصبوغين بالأسود .. .. ترى ما المعنى ؟؟!! بالفعل كانت أغلب ملابسي من هذا اللون .. كانت ملامحه تدل على أنه إستيقظ مباشرة الأن أو أنه حتى مازال نائما .. بعد قليل روادتني فكرة مرة أخرى بأن أعود لأقف في منتصف كوبري الجامعة الذي يمر على نهر النيل ..
أتذكر أول أيامي بالجامعة .. وأنا لم أترك عقلية طالب المدرسة بعد .. وحضرت أول محاضرة لي بالجامعة .. وقد تعرفت يومها على 4 من الأصدقاء كان من بينهم أحمد الذي زرته منذ قليل .. عليك اللعنة يا أحمد .. هل هذا وقت مناسبا للسفر ؟؟! لم نكن هؤلاء الطلبة المجتهدين .. فأنا لا أعلم حتى كيف دخلت كلية الهندسة !! لابد أنها كانت صدفة ليس إلا !! لم يكن سوى زميلنا أحمد الذي يتحدث ويحلم كثيرا بالمستقبل وبالعمل .. مرت الأيام سريعة .. حتى تخرجنا .. وتفرقنا أيضا .. جاء دوري بأن أعمل بأحد الهيئات الحكومية .. لم أكن مخططا لأي شيء .. ولم أريد .. كانت امشي مع الناس وبينهم .. كما يحلو للجموع أن تتجه .. تزوجت .. كما يتزوج الناس .. لم أعلم لماذا إخترتها تلك بالذات .. أو كيف .. أو لماذا هذا التوقيت !! سرعان ما مر الوقت وأنجبنا إيهاب وسمير .. لن أدعي أنني كنت ذلك الأب المعلم .. الذي يسعى لتعليم أبنائه شيء ينفعهم لمستقبلهم .. لا أذكر أني تركت أثرا في أحدهم يُذكر سوى سمير .. حينما كنا في قريتنا وعلمته قيادة أحد السيارات القديمة حتى أصبح بعدها مدمنا لقيادة السيارات .. ثم بعد ذلك سائقا لأحد عربات التاكسي القديمة !! يا له من أثر كبير من أب لإبنه !!
أما إيهاب فقد تخرج من كلية التجارة بعد أنا عانيت الأمرين معه وقد ضرب الرقم القياسي في عدد السنوات في الجامعة .. نعم .. فلم أكن ذلك الأب الذي يحث أبنائه دائما على التعلم وجعلهم يحلمون بأن يكونوا شيئا ما بالمستقبل .. هل أنا نادما على ذلك ؟؟!! ربما !! لا أذكر أني في يوم أخذت أحدهم إلى المسجد لأداء الصلاة .. أو حتى قد رأوني يوما أفعل ذلك !! لم أقل لأحدهم يوما إقرأ شيئا معي .. أو حتى وجدوني فعلت .. لم أعمل عملا كبيرا في حياتي القصيرة .. لم أتعلم شيئا أو علمت أبنائي شيئا .. يا إلهي .. هل فهمت ذلك الأن فقط ؟! أحاول أن أعود بذاكرتي مارا بكافة سنين حياتي .. لأتذكر فعلا صغيرا أقول على الأقل لنفسي أني كنت ذا قيمة في حياتي !! هل ضاعت حياتي بدون فائدة لي أو حتى لغيري أو حتى لأقرب الناس لي ؟؟يبدو أن أفكاري الأخيرة تلك خرجت بصوت منخفض .. أشعر أن الأرض تدور بي .. ولا أستطيع أن أتحكم تمام في توازني .. يا إلهي لا أستطيع أن أتنفس ..

قريبا إن شاء الله الجزء الثاني ..

مدونة الديكاميرون .. عن الأدب و الكتابة والفلسفة والفنون

Advertisements